فاجأني وسرني طلب أستاذي الفاضل ( بو عيسى ) فلقد طلب مني كتابة موضوع عن ( غض البصر )
فما كان مني إلا أن ألبيَّ طلبه فلي الشرف في ذلك، وله مني الشكر الجزيل والتقدير على منحه لي هذه الفرصة... أبدأ بعد أن جمعت نثراتٍ من حروفٍ لأكون بها بعض الكلمات والله المستعان ومنه التوفيق ..
إن لغض البصر بحور عميقة ولكن أقف على شواطئها وأذكر أهمها لتفيدني وأنتفع بها في دنياي، وعلّي أفيد بها غيري إن شاء الله، فيكون لي الأجر والثواب من رحمة الله وفضله، والله عليمٌ بالنوايا وهو عليمٌ بما في الصدور...
غض البصر
أما تخافون وما تعقلون
وما تدركون ما تدعون
وما تأمرون وما تنهون
وما تتركون ما تعملون
فغض البصر به تؤمرون
وطول النظر له تنهون
فانهوا عن مكرٍ تصلحون
وامروا بمعروف تفلحون
وربي خبيرٌ بما تفعلون
أخواني تعلمون أن من عظيم نعمة الله تعالى علينا نعمة البصر، و بها امتن الله تعالى على خلقه في آياتٍ كثيرة كقوله سبحانه : ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل:78) .
وقال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ) (المؤمنون:78)
وقال تعالى : ( ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ) (السجدة:9)
وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( خرج من عندي جبريل آنفا فقال : يا محمد ، إن لله عبداً عبد الله خمسمائة سنة ، على رأس جبل ، والبحر محيط به ، وأخرج له عيناً عذبة بعرض الأصبع ، تفيض بماء عذب ، وشجرة رمان تخرج كل ليلة رمانة ، فيتغذى بها ، فإذا أمسى نزل وأصاب من الوضوء ، ثم قام لصلاته ، فسأل ربه أن يقبضه ساجداً ، وأن لا يجعل للأرض ولا لشيء يفسده عليه سبيلاً حتى يبعث ساجدا ، ففعل فنحن نمر به إذا هبطنا وإذا عرجنا وأنه يبعث يوم القيامة فيوقف بين يدي الله فيقول : أدخلوه الجنة برحمتي ، فيقول : بل بعملي يا رب ، فيقول للملائكة : قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله ، فتوزن ، فتوجد نعمة البصر قد أحاطت بعبادة خمسمائة سنة ، وتبقى نعمة الجسد فضلا عليه ، فيقول : ادخلوه النار ، فينادي : يا رب برحمتك ، فيقول : ردوه ، فيوقف بين يديه ، فيقول : من خلقك ولم تك شيئا ؟ ، فيقول : أنت يا رب ، فيقول : أكان ذلك من قبلك أم برحمتي ؟ ، فيقول : برحمتك ، فيقول : أدخلوه الجنة برحمتي ) رواه الحاكم في " المستدرك " والحكيم الترمذي في " النوادر " .
إذا عُلم هذا أخواني وأخواتي – بارك الله فيكم – تحتّم علينا جميعاً أن نستحي من صاحب هذه النعمة ، وأن نراقبه فيها فلا ننظر إلى ما حرّم الله ، وأن نسخرها فيما يرضي الله عنا ، ونعلم أننا غداً سوف نُسأل عما رأيناه بأبصارنا..
إخواني الأفاضل الأعزاء
لقد أمر الله سبحانه من كان مؤمناً بالله حقا أن يغض بصره عن ما حرم ربي جل جلاله، فلقد ذكر الله ذلك في مواضع كثيرة في كتابه العزيز، وكذلك رسوله المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ذكر أحاديث كثيرة تحثُّ على غض البصر، يتسنى لي بعضها سأذكرها فهي الشواهد على ذلك.
قال سبحانه :-
- (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ) سورة النور ، آية 30.
وقال صلى الله عليه وسلم :-
( إياكم والجلوس بالطرقات . فقالوا : يا رسول الله ، مالنا من مجالسنا بد نتحدث فيها ، فقال : فإذا أبيتم إلا المجلس ، فأعطوا الطريق حقه . قالوا : وما حق الطريق يا رسول الله ؟ قال : غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر )
الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري – الصفحة أو الرقم: 6229
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]
وقال رسول الله ( فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه يقول: النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، مّنْ تركها من مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه ) رواه الطبراني والحاكم من حديث حذيفة وقال صحيح الإسناد
حال من حياتنا
يا رحمك الله إذا ذهبت إلى أي مركز من المراكز التجارية ستجد الكثير من الشباب متواجدون هناك. إن سألت أحدهم ماذا تفعل هنا؟ ألغرض مهم؟ سيكون رده أتمشى أو أشرب شاي وأتعشى. يا إلهي!! إنها مصيبةلم يجد إلا المراكز؟ هذه والله حقيقة لا مفر منها. لم يأتي كما زعم إنما أتى ليرى ما حرم الله، ولا أنسى الفتيات كذلك فحالهن كحال الشباب فوا أسفاه! يتركن ما أمرهن الله به ويزرعن في الأرض فسادا، فلو خافوا ربهنّ وارتدين ما أمرهن الله به لقلت النظرات المحرمة .
وقبل أن أختم
يُسأل دوماً عن غض البصر
كيف الوصول إليه قبل الدخول في القبر
فهو بسيط لمن جد وترك وانتهر
وخاف رب السماوات والبشر
وصرف بصره عن كل ما أمر
شيطانه وسواسه و نفسه الأغر
فاحذر من نار ذاع صيته واشتهر
فإن كنت به فمدى الحياة لا شهر
فالسعي لتركه و للجنان قبل فوات الدهر
وربك غفور لمن تاب وفعل ما أمر
أيها الأفاضل الكرام
إن مما يعيننا على غض البصر هو يسير وسهل على من أخذ بالأسباب وتوكل على رب العباد حق التوكل المراد. أذكر أهمها :-
1- الاستشعار بمراقبة الله لنا وأنه بصير بكل أفعال العباد .
2- الابتعاد عن كل ما يثير الشبه ويجذب الأبصار للحرام.
3- ترك أصدقاء السوء فو الله هم أكبر مشاكل الدهر .
4- الحرص على جالسة الأخيار والصالحين.
5- تثقيف النفس وتسليحها بالعلم الشرعي المطلوب والمفيد ديناً فآخرة ودنيا .
ختاماً
هذه الكلمات أسأل الله أن تفيدنا جميعاً وأسأله كذلك أن تكون حجة لي لا علي. إن وفقت فمن الله وإن لم يكن ذلك فمن نفسي والشيطان وأسأل الله لنا ولكم حسن الطلاقة والبيان وحفظ كتاب الرحمن والدخول في جنة الجنان..
كما أقول دائماً لا أحب الإطالة ولكن جرعة فجرعة و الله المستعان، وعلى الكريم المنان حسن الختام.