ظللت ساعة كاملة وأنا أتربص خروج سلمى من مدرستها الثانوية ، ولا أدري ما الذي أخرها هكذا ؟!
هي في نفس مرحلتي الثاني عشر الأدبي مثلها مثلي وأنا أنهيت الامتحان في مدرستي منذ ساعة وأنتظرها مع مجموعة من أصدقائي المقربين لتخرج حتى أعترضها وأعرض عليها حبي وشوقي، فهذه فرصتي الأخيرة ، فالبنات في قريتنا الصغيرة لايخرجن من البيوت بمفردهن أو مع مجموعة بنات إلا إلى المدرسة ذهاباً وعودة ، أما بقية الأوقات فمع محارمهن مما يصعب على الشباب الطائشين أمثالي ملاحقتهن والفوز بقلوبهن!
اعترضتها وعرضت عليها حبي فوافقت سريعاً ودون مقدمات أو اعتراضات
لماذا إذا يقولون إن سلمى صعبة ؟!!
ها هي استسلمت لي بكل سهولة !
غريبة ؟!!
فعلاً غريبة ؟!!
لم أتوقعها من سلمى بالذات !
فقد كنت أسمع عنها غير ذلك
بل زادت دهشتي أنها هي من بدأت بترقيمي !!
وهاهي تصرخ علي غاضبة وهي تعطيني رقمها اثنين صفر اثنين ( 202) وتتوقف وأنا أصرخ فيها ؛ أكملي وهي تجيب 202
وتصرخ أكثر وبغلظة 202
يزداد الصوت خشونة وحدة !
السجين رقم 202، تحرك يا مائتين واثنين ، ! هيا قم يا حيوان يا اثنين صفر اثنين وإلا اشبعتك ضرباً ، تحرك سريعاً !
آه إنه رقمي ،وهذا صوت السجان يناديني برقمي ،يبدو إنني كنت أحلم بسلمى خطيبتي ، نهضت بتثاقل شديد وانتعلت نعلي ووقفت أمام باب الزنزانة
فأنا أعلم جيداً عقوبة من يتأخر في الاستجابة !
لم أكن أعلم كم الساعة ؟ ولكني كنت أشعر بثقل في رأسي وموقن إنني لم أحظ بنوم طويل.
فتح لي السجان باب السجن وألبسني القيود الثقيلة في رجليّ ثم دفعني بيده الغليظة بقوة أمامه كدت أن أقع من شدتها على وجهي لولا أن تماسكت في اللحظات الأخيرة
الأسير هنا في هذا المعتقل ليس له اسم أو لقب بل هو رقم وكأنه آلة صماء لا تميزها إلا الأرقام !
كان من حظي هذا الرقم المميز كما يتندر علي زملائي الأسرى الذين التقي بهم في باحة السجن الخارجية كل أسبوع لمدة ساعة فقط نتبادل فيه الحديث السريع ، والأخبار القليلة التي تصل إلى بعضهم عن الوطن ، أما أنا فلايصلني عن أهلي أي شيء !!
الأخبار أحياناً تكون صادقة وأحياناً كاذبة يشيعها السجانون من أجل كسر معنوياتنا وتعذيبنا نفسياً
ولكننا برغم ذلك ننتظر هذا التجمع الأسبوعي لنلتقط أية أخبار عن الوطن وعن أهلينا الذين انقطعت أخبارنا عنهم وأخبارهم عنا منذ أسرنا .
دفعني السجان (عبيط ) - هكذا كنا سميه بيننا وإلا ففي هذا المعتقل لايذكر فيه اسم السجانين أو المحققين - وأدخلني إلى دار الضيافة ! هكذا يسمونها ، وهكذا اشتهرت !
لا يسلم سجين جديد من هذه الغرفة !
ففيها يتلقى من الإهانات والازدراء والسب والصفعات قبل أن يحول إلى دار السلامة ، والتي ليس لها من اسمها نصيب فهي غرفة التعذيب والتنكيل الشديد ، الداخل فيها مفقود والخارج منها حياً مولود من جديد
ثم هناك دار الصيانة ، وهي المرحلة الأخيرة والتي يخفون فيها الجروح والكدمات عن أعين الهيئات والمنظمات الإنسانية التي تزور السجناء بين حين وآخر
دهشت لدفعي إلى هذه الغرفة فأنا منذ زمن طويل لم أدخل دار الضيافة هذا !
حيث إنه في الأصل مخصص للقادمين أو الضيوف الجدد كما يحلو تسميتهم بها أو لمن يقاوم السجانين ويعاندهم أومن يتبين للمحققين بعد فترة مكانته الاجتماعية أو رتبته العملية أو العلمية.
هذه الغرفة الكئيبة أتذكرها جيداً ، هي هي لم يتغير فيها شيء ، مكتب حديدي صدئ
وصورة كبيرة لرئيس دولتهم ، ودولاب خشبي يحتوي ملفاتنا المغبرة ، وساعة حائطية قديمة لا تكل ولا تمل من العد ، وكأنها تحصي أنفاساً لن تعود ثانية إلى يوم القيامة ، وتذكرنا بقرب مغادرتنا هذه الحياة ، وكل دقيقة فيها تؤذن بقرب الرحيل ، ودنو الأجل عما كان عليه قبل دقيقة !
لي ذكريات في هذه الغرفة ففيها تلقيت قبل سنوات ثاني صفعة على وجهي بعد صفعة سلمى تلك الفتاة التي سلبت قلبي وعقلي ، وكذلك تلقيت فيها أول رفسة في بطني ، وفيها توالت الصفعات والرفس مع كل سؤال وجواب حتى لم أعد أحصيها !
في هذه الغرفة نُزعت الرحمة من هؤلاء البشر – إن كانوا بشراً - ، وكأن السّجان فيها وحش كاسر لايجيد إلا هتك كرامتك وكسر كبريائك وسب شرفك ولعن ذاتك وأهلك ووطنك ودينك .!
لا يجيد أصحاب هذه الغرفة إلا لغة القسوة والشراسة ، ويتسابقون فيمن يكون أشد شراسة عن صاحبه ، وكأنهم يتميزون ويترقون في عملهم كلما أثبتوا جدارتهم في هذه اللغة ..
مازلت أتذكر وجه أول شخص حقق معي في هذه الغرفة ورماني بطفاية سجائره الرخامية ، وشج رأسي وكدت بها أفقد وعي لولا أنهم أيقظوني برفسات أحذيتهم ، وتركوا الدماء تسيل من رأسي وهم يتضاحكون حولي ، وكأنهم يشاهدون فيلماً مسليا مضحكاً !
ولم ينقذني من براثنهم إلا صغر سني وتأكدهم بعد زيارتي لدار السلامة وما نالني فيه من تعذيب جسدي هائل ، إنني لست جنديا رسميا بل مجرد متدرب جديد في الجيش ، لم يمض عليه شهرين فقط قبل أن يقع في أسرهم!
كان البرد قارساً هذه الليلة ويبدو إنهم اختاروا الوقت والتاريخ بعناية ، فهم هكذا متميزون في آليات التعذيب وفنونه ودائماً يبحثون عن ألذ وأمتع الأوقات لديهم وأشدها على نفوس الأسير الضعيف
نظرت إلى الساعة على الحائط فإذا هي الثانية فجراً !
معنى هذا إنني لم أنم إلا ساعتين فقط
هنا في السجن لا يسمح لنا إلا بالنوم خمس ساعات فقط في اليوم
وبقية اليوم نقوم بأعمال شاقة في النهار وتنظيف وغسيل للسجن وللثياب في المساء
ثم يسمح لنا بدخول الزنازين الفردية لننام مع حلول منتصف الليل ، وكل هذه المدة دون أن ننبس ببنت شفه حتى لو همساً مع زملائنا
فقط عمل مضني في صمت كئيب ، وكأننا آلات تعمل ببطاريات مشحونة ، تكون قوية في الصباح الباكر ثم يقل الشحن كلما تقدم الوقت ،حتى إذا انتصف الليل وقعنا على فراشنا دون حراك وكأننا أموات ، وهكذا في روتين يومي ممل .
فقط تلك الساعة الوحيدة في الأسبوع التي نجلس فيها مع بعض نتجاذب فيها أطراف الحديث وهي ساعة ينتظرها الكل ، وقد نحرم منها أحياناً حسب مزاج الضابط المناوب في ذلك اليوم، أو لعقوبة ما ، أو ربما حسب أحداث الحرب التي تدور رحاها بين حدود الدولتين العدوتين .
قف هنا ، لا تجلس ولا تتحرك ، هل فهمت ..
نعم فهمت ، أومأت برأسي لهذا "العبيط" الكريه الغليظ ، فبالرغم إنهم جميعاً كريهين وغليظين إلا أن هذا حاز الامتياز في حيوانيته المتوحشة
بل يكاد الحيوان المتوحش يفوقه رحمة فالحيوان يخلص فريسته من آلامه سريعاً ، ويمسكه من حيث يهلكه في أسرع وقت ممكن ثم إن نهشه بعد ذلك ومزقه فلا يضر الشاة سلخها بعد موتها
أما هذا الوحش البشري فهو يمزقك وينهشك ويسلخك وأنت حي ، حتى إذا شارفت على الهلاك تركك في دمائك وعذابك ، ومتى شعر بقرب هلاكك عالجك وأدخلك دار الصيانة كي تعود لتقف بين يديه ، فيبدأ في نهشك وتمزيقك من جديد ، لقد حاز السبق في نهش نفوسنا وتمزيق قلوبنا وحرق أعصابنا وعقولنا قبل أجسادنا وأجسامنا ..!
هل يمكن أن تنقلب الرحمة إلى عذاب ؟!
هنا في هذا المعتقل ، نعم ، فإن رحمك السجان وأدخلك دار الصيانة ، فإن هذه الرحمة هي تهيئة لك من أجل عذاب جديد
مثلها مثل رحمة القصاب وهو يقدم الماء إلى الشاة قبل أن يذبحها ، ولكن مع الفارق فهناك الشاة تذبح وينتهي أمرها أما نحن ففي كل يوم نذبح دون أن ننال الموت الحقيقي،مع إننا عرفاً أموات بل هياكل عظمية تتحرك في قبور وسيعة فوق الأرض
وقد أصبح الموت أمنية الجميع ، نصلي وندعو أن يأخذ الله أرواحنا إن كان في ذلك خير لنا ، بدلاً من هذا العذاب النفسي والجسدي الذي طال ولا يعرف أحدنا متى سينتهي ؟!!
التزمت لأوامر السجان "عبيط " ووقفت مكاني حتى تعبت ثم تحركت قليلاً للوراء وأسندت نفسي إلى الجدار لتتحمل معي بعض آلامي
- منصور لقد اتفقنا أنا ووالدك أن نزوجك
- أمي ، ولكن ..!
- أدري ستقول ؛ مازلتُ صغيراً ولم أعمل بعد ، وليس لي مال ، نفس الاسطوانة القديمة التي سمعناها سابقاً
- والخدمة الإلزامية في الجيش يا أمي هل نسيتي ؟
- أنت أخطب حالياً واكتب كتابك ، و ستنقضي السنتان سريعاً ، وستعود من الخدمة، وعروستك جاهزة ، ووالدك مقتدر والحمد لله وسيساعدك في أمر الزواج
ولا تنس يا منصور إن عمرك الآن عشرون سنة ، واستطعنا تأخير خدمتك لمدة سنتين بعد الثانوية بفضل دراستك في معهد المعلمين ، والعمر يمضي يا بني وأريد أن أسعد بزواجك قبل أن أموت
- الأعمار بيد الله يا أمي ، ولكنني أفضل تكملة دراستي الجامعية ، فطموحاتي لن تتوقف عند دبلوم المعلمين .
- يا بني ، الجامعة في العاصمة وتبعد عن قريتنا 1000 ( ألف ) كيلومتر تقريبا ، ولم يلتحق أي شاب من قريتنا بالجامعة لبعد المسافة وصعوبة المواصلات والاتصالات ، وكذلك تكلفتها المادية الكبيرة والتي تصعب على أغنى شخص في قريتنا الصغيرة هذه ، لذا أرجوك يا منصور على الأقل اخطب ، فقط اخطب وأرح قلب أمك
- حسناً ، يا أمي ، سأخطب من أريدها أنا ، اتفقنا ؟
- لا بأس ولكن من هي سعيدة الحظ ؟
- سلمى !
- سلمى ؟! أليست تلك التي احتقرتك وصفعتك على وجهك يا منصور ؟!
- بلى يا أمي هي ، وهي الفتاة الوحيدة التي دخلت قلبي وملكته .
- وسعاد التي تحادثها كل يوم في الهاتف .
- أي سعاد يا أمي ، وأي هاتف ؟!
- أي سعاد ؟! على أمك يا منصور ؟ لقد سمعتك مرة تقول في الهاتف لا أحب غيرك يا سعاد ؟!
- أمي هذه فقط كنت أتسلى معها بالحديث في الهاتف ،هي وغيرها ساذجات وناقصات عقل ، فنحن الشباب لا نتزوج من الفتيات اللواتي نتعرف عليهن ونحادثهن ويقعن في شباكنا بسهولة ، عند الزواج نبحث عن الفتاة الصالحة والرزينة والتي ستحافظ على بيتي وسمعتي وشرفي وستربي أولادي أفضل تربية ، أما التي تضحك معي وتحادثني وتبادلني رسائل الغرام فهذه نرميها كما نرمي ورقة المحارم بعد استعمالها ..!
- وفي المقابل تريد الزواج من فتاة صفعتك على وجهك وجعلتك أضحوكة أصحابك ؟ هل تريد الانتقام منها يا بني؟!
- لا يا أمي بل هي الفتاة المناسبة ، وهي التي كنت أبحث عنها وأخيراً وجدتها
- رقم مائتين واثنين ، قم قم تحرك يا حيوان ألا تسمع !!
ونزلت صفعة السجان على وجهي ، أنستني الذكريات الجميلة التي مرت على خاطري قبل قليل ..
لقد طال انتظاري وأنا واقف مستند إلى الجدار فبحرت في ذكرياتي بعض الوقت ونمت واقفا البعض الآخر ، فهاهي الساعة الآن الخامسة ، ياإلهي لقد مرت علي ثلاث ساعات وأنا واقف ومستند إلى الجدار !
يبدو إنها كانت كعادة خططهم يسعون إلى تعذيب الأسير معنويا بالانتظار القاسي ولكن هذا الانتظار كان لذيذا وخفيفاً علي هذه الليلة وأنا بقرب والدتي الحبيبة أتذكر مواقفي معها وأحلم بها .
أُرجعت إلى زنزانتي في الثامنة صباحاً ومنعت من الفسحة الأسبوعية لمدة شهرين كاملين .
لقد وقع اختيارهم علي لأكون جاسوساً لهم على بلادي وذلك بالإغراء تارة والترهيب تارة أخرى ، ولكنني رفضت رفضاً قاطعاً فكان نصيبي دخول دار السلامة وحرماني من الفسحة الأسبوعية !!
مر الشهر الأول طويلا وثقيلاً جداً وأنا محجوز في محبسي ودون أن أجالس زملائي وأحادثهم خلال فترة الاستراحة الأسبوعية
وكانت تسليتي في قراءتي للقرآن الكريم وحفظي لبعض سوره حيث كنت أستغل فترة خروج الجميع للاستراحة الأسبوعية وجلوسي بمفردي في الزنزانة في حفظ بعض السور والآيات وكذلك في كتابة الرسائل إلى أهلي وأصحابي , تلك الرسائل التي كنت أكتبها منذ فترة طويلة وتظل حبيسة زنزانتي حيث لايسمح لنا بإرسالها إلا عن طريق الهيئات الإنسانية والتي لم أرها مطلقاً طوال وجودي في المعتقل
في حين أن كثيراً من زملائي حكوا لي إنهم بين الحين والآخر تأتيهم تلك المنظمات وتجالسهم وتوصل رسائلهم ، وعلمت بعدها إنني لست مسجلاً في قوائم الأسرى !!
جلست أقرأ احدى رسائلي التي كتبتها وتم رفض إرسالها
فتحتها فإذا هي رسالة كنت قد كتبتها لخطيبتي وزوجتي - مع وقف التنفيذ - سلمى وقد قرأتها مرارا وتكرارا ورغم ذلك فأنا لا أمل من قراءة رسائلي هذه على رغم إن بعضها قديمة جداً , ولكن لاتوجد لدي وسيلة تسلية في زنزانتي إلا كتابة الرسائل ثم إعادة قراءتها بين الحين والآخر!
فتحتها وقرأت ..
حبيبتي وزوجة المستقبل سلمى
هل مازلتي على العهد قائمة وعلى ميثاق الزوجية متمسكة ؟
هل تتذكرين يوم كتبنا العقد ثم أصر والدك ألا نجالس بعضنا بعضاً إلا ساعة واحدة في السبوع ، مخافة كلام الناس بالرغم إننا في الشرع زوجين شرعيين !
ها أنا هنا في معتقلي أتذكرك كل أسبوع ,وأتذكر تلك الساعة ، فسجّاني يطبق نفس نظام والدك الأسبوعي بحذافيره !
حبيبتي لقد سألتيني مراراً لماذا اخترتك دونا عن بنات قريتنا وكنت أقول لك ، سأخبرك حين نتزوج ويجمعنا سقف واحد
وها أنا في خطابي هذا أعترف لك إنها تلك الصفعة المباركة ،هل مازلتي تذكرينها ؟
أنا أتذكرها ليل نهار ولا أنساها وكيف أنساها وقد أهدتني أجمل وأحلى زوجة.
مازلت أتذكر كيف تربصت بك أنا وأصدقائي ، وكل منا يتحدى الآخر بأنك ستكونين من نصيبه وإنك سهلة جداً
ولكن صفعتك تلك وأمام جميع أصحابي أعادتني إلى رشدي ، وفتحت عيني على تلك الفتاة الصالحة التي كنت أبحث عنها .
تلك الصفعة برغم ألمها إلا أنها أزالت من قلبي وعن عقلي ذلك الطيش الذي كنت أعيش فيه
أنا ممنون لك وسعيد إنك الوحيدة التي عرفت كيف تروضني وتعيدني إلى ربي وإلى الطريق المستقيم
لهذا قررت ألا يفوز بك أحد غيري وقد كان والحمدلله
ولكن فرقنا هذا المعتقل الكئيب عن أحلامنا وآمالنا
فهل مازلتي على العهد يا سلمى ؟
لا أدري كيف أنت ؟ وأين أنت ؟ وكيف أصبح شكلك ؟ بعد خمس عشرة سنة
أتصدقين يا سلمى ؟
مازلت أحمل لك نفس المشاعر الجميلة
ونفس الحب ،فهل مازلتي تنتظريني يا سلمى ؟.
مر الشهر الثاني والثالث ومازلت في الحجز
خشيت أن أذكّرهم بانتهاء حجزي
ولكني أخيراً تشجعت فحادثت أحدهم
فنزلت على وجهي صفعة أطارت عقلي !
بعدها سكت عن الكلام المباح
مرت ستة أشهر وأنا في حالي تلك، وكدت أفقد عقلي ،لولا إيماني بالله تعالى ويقيني بأني مأجور على صبري
رجعت إلى تسليتي
فتحت احدى رسائلي لأقرأها
فإذا فيها : كيف أنت الآن يا أمي وكيف أبي وكيف أخي الصغيرمصطفى ؟!
هل أنهى مصطفى دراسته ؟ وهل تزوج أم مازال عازباً مثل أخيه الكبير
آه يا أمي ،كم أشتاق لحضنك الدافيء ،ولصدرك الحنون ؟
كم أشتاق يا أمي إلى غرفتي وإلى سريري وإلى كرتي .
هل مازالت كرتي تحت سريري ؟
وهل مازلتم تشربون من ماء بئرنا الصافي ؟
آه لو تعلمين يا أمي نوع شرابنا هنا
أنه شراب رائع رائع كالعسل
لاتشغلي بالك علي كثيراً يا أمي ، فبرغم إننا في معتقلنا إلا إننا نعامل معاملة طيبة
ومعتقلنا يسمى سجن العسل لما فيه من دور الضيافة والسلامة والصيانة
فقط تنقصني رؤياكم يا أمي
بلغي سلامي وتحياتي لأبي ولمصطفى ولسلمى ولكل من سأل ويسأل عني من الأصحاب والأقارب ..
توقفت عن القراءة وأنا اغلب دمعتي
سقطت دمعة حارة على الورقة التي كنت أقرأها حزناً على هذه الرسائل التي لم ولن تصل إليهم لتطمئنهم علي وتخفف عنهم فقدي أو تأتيني بأخبارهم ,أحياء هم أم أموات ؟
كنت أنعت سجني بصورة جميلة لوالدتي في كل رسائلي وأصفه بسجن العسل ، لعلي أخفف عليها فقدي ، ولكن هاهي رسائلي أصبحت حبيسة مثلي في زنزانتي أبت إلا أن تؤنس وحدتي .
لم أكن أخشى وصول الحقيقة إلى والدتي لأسباب عديدة
منها إنه لم ولن يخرج من هذا السجن إلى وطني أي شخص فالداخل فيه مفقود و لايخرج منه إلا إلى القبر أو إلى مستشفى المجانين ، لذا فلن يخبرهم أحد إننا نعيش في معتقل سيء السمعة سميناه " معتقل البصل " وإن خرج أحد من هنا فلايوجد من قريتي القاصية أو مايقربها من البلدات أي شخص أعرفه هنا وأغلبنا لايعرف أسماء بعض بل حتى نحن تعودنا أيضاً على الأرقام في ندائنا لبعضنا البعض!
ثم إن إدارة السجن تراقب الرسائل وتمنع كتابة ما يسيء إليها .
هذا المعتقل الذي طعامه من البصل ، وشرابه بطعم البصل ، بل حتى الزنزانة فرشها بصل ، نروح ونجيء ونحن ندوس على البصل وننام على البصل
رائحة البصل أزكمت واشبعت أنوفنا حتى لم نعد نشعر بأية رائحة أخرى.
لقد مللنا من حياة البصل هذه ، ولكن هذا هو قدرنا وهذا مصيرنا وماعلينا إلا الصبر.
أحياناً قد نأكل غير البصل من العدس أو اللحم أو الدجاج الفاسد أما غالب أيامنا فهو البصل مع الخبز ، ويتفنن في إعداده وطبخه بعض أخوتنا من الأسرى نظير طعام مختلف مكافأة لهم .
فُتحت بوابة الزنزانة , وجاء الفرج أخيراً
هيا أخرج إلى الباحة ..
كدت أبكي من الفرحة ، فبعد ستة أشهر سأتحدث أخيرا إلى زملائي وأعرف أخبارهم وأسمع بعض أخبار الوطن ..
كانت الأخبار سعيدة لم أتوقعها ..
" توقفت الحرب وهناك تبادل للأسرى بين الطرفين "
يا إلهي هل سأرى النور ثانية ؟ هل سأعود إلى وطني الغالي ، وإلى حضن أمي, وعطف أبي, وحب زوجتي وصحبة أخي ؟
يارب ! يارب ! الطف بنا ، وارحمنا ، وفك أسرنا ، وارجعنا إلى أهلنا سالمين
كانت هناك حركة غير عادية في السجن ، ولأول مرة يقدم لنا طعام لذيذ من اللحم والرز والفواكه!
تذكرت ساعتها مسلسل الأطفال "سندباد " حينما قدم له ولأصحابه الطعام اللذيذ والدسم ليأكلوا ويسمنوا ثم أخذوا بعد ذلك ليقدموا طعاماً لآكلي البشر !
فهل هذا الطعام هو نهاية المطاف ؟
هل قرروا إعدامنا والتخلص منا؟ أم أن في الأمر حكاية أخرى ؟
كنا نلاحظ أن عددنا يتقلص في السجن , دون أن نعلم أين يختفي أصحابنا ؟
فقد كانوا يختفون في أنصاف الليالي دون أن نلاحظ !
أرجعنا اختفاءهم إلى أنهم ربما رجعوا إلى الوطن حسب ما قيل سابقاً ، فهم لن يتجرؤا على الأقل من قتلهم وخاصة إنهم مسجلون في قوائم المنظمات الدولية .
أما أنا وأمثالي من غير المسجلين فمن السهل التخلص منا إلا إذا كانوا في حاجة لتبادل أسرى بنا .
مرت عدة شهور كي نلاحظ إنه لم يتبق أحد من الذين كانت تصلهم الأخبار من الوطن ، فأيقنا إنه لم يتبق إلا نحن غير المسجلين في قوائم المنظمات الإنسانية !
توجسنا خيفة من هذا الأمر المريب ، وخاصة إنه طلب من نفس المجموعة - كما طلب مني سابقاً - أن يخونوا الوطن ولكنهم أبوا ورفضوا مثلما رفضت وعوقبوا مثلما عوقبت..!
بعض زملائي كانوا فرحين لمثل هذه التحركات فرميُ حجر في ماء راكد خير من ركوده تلك السنين الطويلة دون حراك.
ووافقتهم في ذلك ، فوَضْعُنا هنا لايسر أبداً ، ومهما كانت النهاية فهي ستكون بالتأكيد أفضل من طعم البصل ورائحته المنتشرة حتى النخاع في جميع مسامات أجسادنا
بل أجزم إننا إن خرجنا من هذا المعتقل فلن نميز بين الطعم الخبيث والطيب وبين الرائحة الخبيثة والطيبة ، فقد تحطمت جميع مشاعر الإحساس وتمزقت كما تمزقت وتهتكت أجسادنا وقلوبنا وعقولنا و امتزجت تلك الروائح في دواخلنا فأصبحنا لانميز بين شهيقنا وزفيرنا !.
قد نحتاج إلى سنين طويلة في الخارج بعدد السنين التي عشناها هنا حتى نطهر أنفسنا ونداويها من تلك التمزقات والتهتكات .
لقد بلغت قلوبنا الحناجر من اليأس والضيق ، وحراك الماء الراكد لم يصل إلينا بعد
ولم يكن لي من أنيس إلا دفتري أكتب فيه ذكريات لاتُكتب ولا يُستَمْتَع بقراءتها
وفي صرير القلم الحياة والأمل، فيه يتخطى السطر السطر والصفحة الصفحة ، ويبقى لي باب الأمل باقياً مادام قلمي يكتب بنفس خالية من طعم البصل .
لم أترك شاردة أوواردة لم أسجله في دفتري ، لأسلي به نفسي وقد تكون له قيمة بعد موتي لدى وطني فيطلب مبادلة دفتري بأسير ما ، فيصل أنيني وبوحي إلى أهلي وأحبابي.
وقد يكون مصيره بأن يحمله عامل النظافة يوماً ما مع البصل الفاسد ويرميه في حاويات القمامة !
***
حلمت هذه الليلة حلماً مزعجاً ، كأني أمشي في ليل طويل طويل لا صباح له ، وهناك في نهاية الليل تقف أمي ويحضنها ابي وهو يبكي !
استيقظت من هذا الحلم المزعج على طلوع النهار! .
غريبة !!
طلع النهار ولم نسمع صفارات الاستيقاظ المزعجة !
صليت الفجر وجلست وقلبي يتوجس خيفة !
كانت الحركة صباح هذا اليوم مريبة ، فلم نخرج لأعمالنا كالعادة !
وهناك ضجة غير عادية في الخارج !
ضربات قلبي تزداد كلما ارتفعت أصوات الأقدام القادمة نحوي
هاهي الأقدام القبيحة تقترب من زنزانتي ، ومعها ترتفع نبضاتي المتوترة
لأول مرة أسمع صوت المفتاح وهو يناجي القفل بهذا الوضوح !
ولأول مرة أتوتر بهذه الصورة ! ها أشعر بدنو الأجل ..
ليل أسود طويل لا ينتهي ! كان مزعجاً وهاهو تفسيره لم يتأخر كثيراً
وضعت قلمي في وسط دفتري وأدخلت دفتري سريعاً في فتحة قميصي تحت فانيلتي على صدري ..!
سجّانَيْن معاً ؟!
أدخل أحدهما القيود في يدي
أما الآخر فغطى عيني بقماش أسود !
رفسني أحدهما من خلفي وهو يصرخ : هيا تقدم يا حيوان !
- إلى أين ؟!
- إلى الإعدام !
في كمين وبعد قتال شرس على الجبهة قتل منا من قتل، تمكن منا جنود العدو وأخذونا أسرى
كنت لتوي دخلت الجيش كمتدرب عندما بدأت الحرب المسعورة، وعلى عجل تم تدريبي على كيفية استخدام السلاح ثم زُج بي للدفاع عن الوطن
دون أن أودع أهلي أو أن يروني ، بل مجرد محادثة بالهاتف بأني متجه إلى الجبهة للقتال !
أتذكر بكاء أمي ، وتوسلها أن أحافظ على نفسي ، ودعاءها بأن يحفظني ربي من كل مكروه
أُخبرنا إن أطماع العدو شديدة في بلادنا ، وإنه بدأ بالاستيلاء على قطع من أرضنا ،وإنه يجب علينا أن نبذل أرواحنا من أجلها ، وقد كان ، فلا مزايدة على الوطن ، فعند الوطن ترخص الأرواح والدماء ..
تلك الذكريات مرت في خاطري ، دون أن تكون هناك نهاية لرحلتنا الطويلة والتي بدأت صباح اليوم بكلمة الإعدام !!
وها نحن نمضي في عذاب وحر شديد في شاحنة لاتركبها الحيوانات إلى المجهول
أهو فعلاً إعدام كما نطق ذلك الجبان ؟ أم هو مجهول خير !
عندي شعور قوي أنه مجهول خير بإذن الله تعالى
فالإعدام لايحتاج إلى مزيد جهد ووقت وطول طريق !
مجرد طلقة ، وحفرة عميقة ، ونكون في خبر كان
أستطيع أن أميز برغم الغطاء الذي على عيني بأن الشمس قد غابت ونحن مازلنا نتكوم في هذه الشاحنة منذ الصباح .
أنا أجلس جلسة القرفصاء حتى كاد عظام ظهري أن يتمزق وأشعر أن الذي علي يميني وشمالي كذلك يجلسان نفس الجلسة ولا أتجرأ على تغيير جلستي مخافة أن يأتيني السوط على وجهي .
فقد سمعت صرخة والسوط يلهب ظهر شخص ما والسجان يلعنه ألا يعيد مد رجليه ثانية وقد كانت كافية لتوصيل رسالة للجميع بالتزام نفس الجلسة طوال رحلتنا إلى المجهول !
فجأة توقفت الشاحنة ، وأًنزلنا منها على عجل ثم ركبنا سيارة أخرى تبدو لي من جلستي إنها حافلة ..!
لم نبتعد قليلا حتى توقفت الحافلة ، لنركب حافلة أخرى بعد أن أزيلت الأغطية عن أعيننا وفكت القيود من أيدينا ، كل هذا حدث سريعاً دون أن نعي بما يجري!
ولكن الذي أشاهده في هذا الظلام أن هناك حافلات أخرى كثيرة في الموقع
" يبدو أنه تبادل للأسرى"
قالها زميلي الذي بجانبي ، وصدق ...
فبعد قليل تغيرت الأوجه ، وفاصل من العناق الحار بيننا البين ومع جنودنا البواسل ممن حضروا لاستلامنا
سجدة هنا وسجدة هناك مني ومن هذا وذاك على تراب الوطن الغالي في فرحة هستيرية شكراً لله وحمداً
يا الله ! ما أجمل هذا اليوم ! كم هو رائع أن تعطر أنفاسك برائحة وطنك وتضم ترابه وتحضن رجاله ..
في مثل هذا الموقع والموقف يُختصر الوطن والمنزل في أية بقعة كانت ويتجسد الأهل والأصدقاء في أي شخص يحمل جنسية الوطن ، لا فوارق هنا ولا كبرياء !
هذا اليوم يوم ولادتي من جديد ، يوم لن يمسح من ذاكرتي مطلقاً ، لم يعكره إلا انتظارنا الطويل في مركز إيواء الأسرى للتأكد من شخصيتي !!
-صدقوني أنا منصور خالد ...
-ولكن منصور خالد قتل منذ 15 سنة في كمين وحملت جثته الممزقة إلى أهله ، حيث صلي عليها ودفنت في قريته ، هكذا تقول السجلات التي لدينا !
فجأتني تلك المعلومة ، وهزت كياني بشدة !
- بل منصور خالد حي يرزق وهذا رقم هاتف منزلنا دعوني أتحدث إليهم
-نأسف لك عزيزي ، هذا رقم قديم جداً والأرقام تغيرت، يجب أن تبقى هنا حتى نستدعي أحداً من أقربائك ليتعرف عليك أو تعود من حيث جئت !
- من حيث جئت ؟!!! أعود إلى رائحة البصل بعد أن اسنتشقت عبق الوطن ؟!!
- نحن نخشى الجواسيس في هذه الأيام العصيبة وهذه هي التعليمات العليا ، ويجب أن تنتظر لنتحقق .
سكتُّ على مضض ، والحزن يملأ جوانحي ، والسؤال المقلق يلاحقني : ماذا إن لم يتوصلوا إلى أهلي ؟!
لا أدري ما الذي جعلني أشعر بكآبة شديدة منذ أن سمعت الضابط يقول إن أهلي صلوا على جثتي !
كيف صلوا على جثتي وأنا حي أرزق ؟
ولكن مستندات الضابط تقول ذلك !
أيعقل أنهم حصلوا على جثة ممزقة فظنوا إنها جثتي أنا ،فسلموها إلى أهلي ؟!
ولكن كيف لم يميز أهلي جثة شخص آخر عن جثتي ؟!
وهب أن الحكاية صحيحة ؟
إنها كارثة بالنسبة لي
معناها أن سلمى ترملت قبل أن تتزوج ، فأصبحت خالية الموانع للخطّاب ، وسلمى وما أدراكم من سلمى، كل يتمناها زوجة !
آه أشعر أن طعم البصل مازال يطاردني
أشعر بها في فمي وريقي
وزاد هذا الشعور مع الهواجس التي أعيشها هذه الأيام في مأوى الأسرى على حدود وطني
بكيت كثيراً ، بكيت كما لم أبك من قبل
عندما تكون حبيس الأعداء وتفقد أي أمل في الرجوع إلى الأهل والوطن ، تجف الدموع في مآقيك ، وتصبح كآلة صماء تتحرك كلما تم تشغيلها وتتوجه حيثما وجهت .
ولكن أن تقف على أعتاب وطنك وتحتضن ترابها ثم تمنع عنها أو يشك في انتمائك لها تجد أن الدمعة تلاحق الأخرى في السقوط دون أن تكون لديك سيطرة عليها
آه يا سلمى يا حلمي الجميل
صدقيني لن ألومك ولن أعاتبك إن تزوجتِ وأنجبتِ من غيري
فمن المؤكد أنك لن تعيشي على أطلال رجل ميت بالنسبة لك.
خمسة عشرة سنة عمر طويل جداً ، كنتِ يا سلمى في العشرين من العمرعندما ودعتك لكي ألتحق بالتجنيد والآن أنت في الخامسة والثلاثين، فمن المؤكد إنك حتى نسيتي طيف منصور !
وهاجس آخر يطاردني
أمي وأبي ، هل هما أحياء؟
لا أعتقد إن أمي بعد أن سمعت بمقتلي ستعيش طويلاً
فقد كنت لها الحياة بأكملها
كنت دنياها بحلوها ومرها ، بخيرها وشرها
كانت تخشى علي حتى من النسمة !
عينيها دائماً معلقتين على أعتاب باب المنزل تنتظر عودتي كلما خرجت
تقرأ الآيات تلو الآيات على وسيلتي الوحيدة للتنقل " دراجتي النارية " وكأنها ترقّيها من أن يصيبها شيء فيلحقني الأذى ..!
وأبي ذلك الحبيب ، الذي كلما اقتربت منه شعرت بالأمان
كم كانت روحه خفيفة وظريفة ، والابتسامة والدعابة لا تفارقه في ليله ونهاره
أتذكره يوم رحيلي وهو يغالب دمعته كي لا تخرج فأراها ولكنني رأيتها قبل أن يمسحها ..
لم أتأثر يومها ببكاء أمي المتواصل مساء وصباح يوم رحيلي مثلما تأثرت بنصف دمعة أبي ، أشعر إنها جداً غالية ولا تسقط إلا عن ألم وكرب شديد !
ما يجعلني أتأمل خيراً ،أنهما كانا في صحة جيدة حين فارقتهما ، ولكن هل مازالوا يعيشون في قريتنا ولم ينتقلوا إلى المدينة ؟
بعد أيام تم استدعائي إلى مكتب ضابط مركز الإيواء فبادرني عند دخولي :
- لقد حصلنا على رقم هاتف متحرك لشخص يدعى مصطفى خالد منصور .
ارتعش قلبي ثم صحت :
- هذا اسم أخي الصغير مصطفى ، لك الحمد يا رب ، دعني أحادثه ..
- لحظه ، لقد حادثناه فأكد إن أخاه منصور خالد منصور توفي وتم التعرف على جثته ودفن في قريتهم قبل 15 سنة .
- أرجوك أيها الضابط دعني أحادثه ، فحتماً سيتعرف علي ، وإن لم يتعرف على صوتي بعد هذه السنين الطويلة فلا أخال والدتي إن كانت حية ألا تعرف نبرة صوت ولدها ، أرجوك يا سيدي أعطني فرصة لأحادثهم .
- حسناً ، لامانع ولكن إن أصروا على موقفهم ولم يتعرفوا عليك فتيقن إنك ستعود الليلة من حيث أتيت !
مسكت الهاتف ويدي ترتعش وقلبي يخفق بقوة وبها يهتز جسدي كله وأنا أسمع من الطرف الثاني صوت مصطفى .
إنه صوت رجل كبير ، لقد تركته شاباً صغيراً في السادسة عشرة.
- مصطفى ، هل أنت مصطفى أخي ؟ يا حبيبي يا مصطفى .
- أنا أخوك منصور يا مصطفى أتكلم معك من الحدود ، أنا حي يا مصطفى أسرت في المعركة ولم أمت.
- تتذكر يا مصطفى كنت أخبئ كرتي عنك تحت سريري هل تذكر يا أخي ؟
تلك العبارة جعلت مصطفى ينهار من البكاء وهو يصرخ :
أخي حبيبي منصور، أنت فعلاً منصور..
وأخذ يصرخ في ابتهاج ، أمي ، أبي ، منصور حي منصور حي
وعني أخذت أبكي وأبكي وأنا أحادث أمي وأبي على الطرف الآخر ، حتى أن بقية الضباط والجنود أخذوا يتوافدون إلى مكتب الضابط حيث أنا ليستوضحوا من الأمر ، وأخذ الضابط الذي بجانبي يهدئ من روعي ، ثم طلب من مصطفى الحضور مع أوراقي الرسمية لاستلامي.
أمي لم تستطع أن تكمل حديثها معي فقد كانت تبكي بشدة لدرجة أني خشيت عليها أن تنهار من البكاء ، أما صوت أبي فبدا ضعيفاً جداً ولكنه كعادته تماسك بعد البكاء وودعني على أمل اللقاء السريع .
كانت سعادتي عارمة فكلهم - والحمد لله - بخير وعافية
اطمأننت أن أمي وأبي ومصطفى بخير
بقيت سلمى ، لم أسأل عنها بعد ..
ولكن لا بأس فغداً لناظره قريب
انتظرت يومين كاملين ، قبل أن يصل مصطفى
احتضنته كما يحتضن النهار الشمس و يحتضن الليل القمر ، وكما يحتضن اليتيم ثوب أبيه الغائب ، وكأنه روحي أخشى مفارقتها لجسدي
كيف لا أحضنه وأشمه وفيه رائحة أمي وأبي
رائحة بيتي وقريتي
أخذنا نبكي ونبكي بشدة ونحن نقبل بعضنا بعضاً ، وأجزم إننا أبكينا كل من حولنا
برغم سعادة مصطفى الكبيرة لرؤيتي إلا إن سحابة حزن شديدة كانت واضحة في محياه ، وكان يتجنب النظر إلي عيني كلما نظرت في وجهه، ويغير دفة الحديث كلما سألته عن سلمى ؟!!
- مصطفى ، أشعر أنك حزين جداً ومهموم يا أخي ،هل سلمى بخير؟
سكوت مصطفى ونظره إلى الأرض كان جواباً كافياً أن في الأمر حدث ما!
- ما الأمر يا مصطفى ، أرجوك أخبرني ، أنا مؤمن بقدر ربي لا تخاف علي يا أخي ؟!
أجاب بصوت مرتعش :
- سلمى تزوجت يا أخي منصور ، تزوجت بعد أن تأكدنا جميعاً أنك مت .
لا أدري كيف أصف مشاعري في تلك اللحظة ولكن الصمت المطبق مع النظر إلى الأرض كانا هما سيدا الموقف ..!
يخال إلى من ينظر إلي أنني تجمدت في مكاني !
ولكني بعد لحظات استجمعت قواي وأنا أقول لمصطفى :
- لا بأس يا أخي ، لا بأس ، الله يوفقها ، لا تحمل هما ..
نظرت إلى مصطفى فإذا به يبكي بشدة !!
- ما بك يا مصطفى ، أخبرني يا أخي؟
ازداد بكاء مصطفى وارتفع نشجيه وهو يقول :
- أمي يا منصور ....
صرخت : ما بها أمي تكلم ؟!!
- لشدة فرحتها لسماع صوتك وعودتك إلى الحياة ثانية ،فارقت الحياة،
أمك ماتت يا منصور بعد سماعها صوتك ، ودفنتها بنفسي ثم حضرت إليك.
أسودت الدنيا في عيني وكدت أن أفقد توازني لولا أن احتضنني أخي مصطفى وأخذنا نبكي معاً بشدة ، ثم ركبنا سيارة مصطفى ومضينا نقطع الطريق الطويل في صمت مطبق..!
آه يا أمي آه
لم تهمليني يوماً واحداً فقط ، لكي أقبل يديك ورجليك وألثم جبينك .
ما أعظمك يا أمي ! صبرتِ كل هذا الصبر ثم ضعفتِ أمام صوتي !!
كنت أعول عليك يا أمي أن تزيلي طعم البصل من داخلي فإذا أنت تزيدينها في ريقي ، وتدفعينها إلى أحشائي وعروقي..
أعلم أن الحزن ربما يقتل ، ولكن أن تقتل السعادة أيضاً فهي مفارقة عجيبة حقاً ، لو كنت أعلمها لرتبت لها مسبقاً ، وما فاجأتك بصوتي وعودتي إلى الحياة ثانية
لو إني أعلم إن اختفائي وعدم عودتي إلى الدنيا سيعطيك يوماً آخر في هذه الدنيا ، لما عدت إليكم أبداً ولكن هو القضاء والقدر يا أمي ، ونحن لربنا مسلمون ..
وعزائي وعزاؤك يا أمي إننا على الأقل سمعنا صوت بعض ولو للحظات بسيطة ..!
وضع منصور يده على كتفي برقة وهو يقول :
- أخي وصلنا وهذا بيتنا في نفس مكانه ولكن أكبر من ذي قبل وأوسع !
نظرت حولي فإذا قريتنا هي نفسها ، لم تتغير كثيراً إلا من بعض الشوارع والعمارات المتوسطة وبعض الأضواء التي أحالت ليلنا إلى نهار
نزلت من السيارة ..
وكأني أنظر إلى سلمى وهي امرأة ناضجة متغيرة الملامح عما أعرفها سابقاً ويلتف حولها بعض الأطفال الصغار وكأنها تقف أمامي وتقول الحمد لله على السلامة يا أخي منصور ؟
انتبهت على صوت مصطفى وهو يقول :
- إنها سلمى يا منصور تسلم عليك ؟
- سلمى ؟!
نعم هي سلمى !
ظننتها في الخيال
ولكنها هي فعلاً تقف أمامي ، تمالكت نفسي
ورديت السلام بصوت منخفض وأنا في اندهاش تام ، ما الذي جاء بسلمى إلى هنا في هذه الساعة من الليل ؟!
لم تتركني سلمى كثيراً أسبح في دهشتي بل ارتمت في حضن مصطفى وأخذت تبكي بشدة وهي تقول: