كانت فرحة سارة كبيرة وهي تتأمل زينتها في المرآة بعد أن انتهت المزينة من تزيينها قبل أن تزف إلى سالم في ليلة العمر
لقد كانت سارة فاتنة بل فائقة الجمال ولاتضاهيها فتاة في جمالها في تلك الجزيرة العربية في وسط الخليج العربي .
مع هذا الجمال الطاغي كانت سارة تملك صفات جميلة أخرى وهي الدين والصلاح
فقد تربت في أسرة محافظة متدينة تخاف الله وتخشاه
لم تكن الفرحة كاملة فقد كانت هناك غصة كامنة في صدر سارة ، لقد كانت تخشى الإقدام على الزواج مرة ثانية خشية تكرار الفشل
فما زالت تذكر كيف فشل زواجها الأول قبل عدة سنوات والذي لم يستمر إلا لسنة واحدة فقط
كانت يومها صغيرة ولم تتجاوز الخامسة عشر بعد ، حين أخرجها أهلها من المدرسة ولما تكمل بعد الصف السابع وزوّجت بابن عمها ناصر ..
ولكنها صدمت صدمة كبيرة في ذلك الزوج الذي كان يغار عليها غيرة عمياء أفسد عليهما حياتهما ..
كان جمالها الفتان هو سبب تعاسة زوجها ، فلم يكن يصدق أنه زوج سارة الجميلة الحسناء والتي كانت مطمع شباب الجزيرة كلهم ، ولكنه بحكم القرابة ظفر بها ، فكانت من نصيبه ، فتخيل أنه امتلكها!
ولكن تلك التجربة ماتت في مهدها فقد كانت غيرة ناصر مدمرة وصلت إلى حد لا يطاق من الشك والمراقبة والأنانية بل والاعتداء بالسب و باليد أحياناً ..
عانت سارة في تلك السنة معاناة شديدة من ناصر الذي أنساها حتى البسمة من سوء تعامله معها بل منعها حتى من زيارة والديها وأخوتها!
لقد أساء ناصر كثيراً إليها وجعل حياتها جحيماً لا يطاق مما أجبرها وأهلها أن يطلبوا الطلاق ، فكان التسريح والطلاق هو القرار الوحيد الذي أعاد لسارة البسمة مرة أخرى .
قد لا نستطيع أن نوصف المأساة بأقلامنا أو نتصورها بخيالنا حين يكون الطلاق والفراق بسمة وفرحة وعيداً للمطلقة ..!
لذا عندما نظرت سارة في المرآة وهالها جمالها الفاتن خشيت أن تتكرر المأساة ثانية مع زوجها الثاني سالم ..
لكم تمنت سارة لو كانت أقل جمالاً وفتنة فقد كان هذاالجمال هاجساً مخيفاً يجثم على صدرها ويجعلها في خوف دائم من المستقبل المجهول
وكم نصحتها والدتها أن تداري جمالها حتى من النساء خشية العين والحسد
وفعلاً كانت الأقدار تخبئ لسارة من البلاء والابتلاء الشيء الكثير الكثير
تزوجت سارة من سالم الذي لم يكن رجلاً عادياً بالنسبة لسارة التي جربت ناصر قبله .
لقد كان سالم زوجاً حبيباً قرت به عينها واطمأن به قلبها وسعد به فؤادها
وذاقت سارة في ظل سالم الحب الحقيقي وتعلقت روحيهما ببعض ، وذاب كل منهما في الآخر حباً وعشقاً وهياماً.
ولم يكن يكدر صفو هذا الحب الجميل والعشق الطاهر إلا خروج سالم إلى البحر للصيد
فقد كان سالم يعمل في صيد الأسماك وهو مصدر رزقه الوحيد ، لذا كان يغيب لمدة أسبوع أو أكثر في عرض البحر قبل أن يعود بما رزقه الله سبحانه وتعالى من خيرات البحر ..
وكم تعرض لصعوبات وواجه من الأهوال والأخطار من أجل لقمة عيشه تلك .
مضت الحياة سعيدة للزوجين ، وتذوقت سارة طعم السعادة مع سالم ونست معاناتها السابقة وأقبلت على الحياة بكل تفاؤل وأمل وسعادة ورزقها الله من سالم خلال هذه الفترة بـثلاثة أولاد وبنتين.
وكذلك كانت تنتظر مولودها السادس والذي اقترب موعده
كان محمود هو البكر وأميرة أكبر البنات و بدر ثاني البنين ولد بتخلف عقلي احتاج من والدته الجهد الكبير والعناية والمتابعة الدائمة.
وأحمد ثالث البنين وأكثرهم حركة ونشاطاً ومزحاً
ومريم ذات الست السنوات والتي بدأت أولى خطوات المدرسة
كان أكثر ما يزعج سارة ويقلق قلبها هو غياب زوجها الطويل في عرض البحر للصيد
فهو أحياناً يرجع بصيد جيد وفير وأحياناً أخرى يرجع بخفي حنين
فكم عاشت الأسرة أياماً وليال لا تملك قوت يومها حين تكون أحوال البحر سيئة فلا يملك سالم إلا أن يستدين ليسد الرمق ويكسر الجوع ويجلب حاجات الأسرة ومتطلباتها المستمرة
ومع هذا كانت الأسرة راضية سعيدة بما قسمه الله لها
كانت سارة تخطط بعناية ودقة لمستقبل أولادها لتفتخر بهم مستقبلاً لذا لم تكن تألو جهداً في توفير كل السبل التي تتيح لهم التميز والتفوق
وفعلاً فقد كان أغلب أولادها من المتفوقين في دراستهم المدرسية .
وقفت سارة تنظر من نافذة المنزل وتتأمل الأشجار التي كانت تقاوم الرياح الشديدة بكل شموخ وأَنَفَة وتميل معها بشدة ومعها يدق قلب سارة بشدة أكثر ، وأخذت تتمتم وقد ارتسمت الدموع على أهدابها :
- لطفك يا رب ، اللهم إلطف بزوجي ومن معه ، اللهم أرجعهم سالمين
ثم رفعت يديها عالياً وهي تدعي : يارب ، يارب
- أمي ، أمي!
حاولت سارة أن تمسح دموعها قبل أن تلتفت إلى ابنتها أميرة الكبرى التي كانت تناديها
- أنت تبكين يا أمي ؟ لا تبكين يا أماه سيرجع أبي سالماً كالعادة بإذن الله تعالى
هوت سارة على ابنتها أميرة واحتضنتها وهي تشهق في البكاء ثم بعد أن هدأت قالت :
- تعلمين يا ابنتي أن والدك خرج منذ أسبوع ولا نعرف عنه شيئاً ، وخاصة أن الجو قد انقلب والرياح اشتدت فجأة وهم في عرض البحر ، وأنا جداً قلقة عليه هذه المرة ، لا أدري أشعر بانقباض شديد في صدري.
- لقد ذهب أخي محمود ليستطلع الأمر عند خفر السواحل فلعلهم لجئوا لإحدى الجزر كما هي عادتهم ، وسيعود محمود ومعه الأخبار الطيبة إن شاء الله
- يارب ! قالتها سارة وهي ترفع عينيها إلى السماء ، ثم أردفت :
- محمود كل يوم يذهب للسؤال ولا إجابة هناك ، فديت ولدي أنه يتعب كثيراً في المشي إلى مقر خفر السواحل في هذا الجو الحار والمغبر فكما تعلمين فالمكان بعيد جداً.
- اليوم ذهب مع ابن جارنا بدراجته النارية وسيرجع سريعاً يا أمي.
كانت الرياح تزأر بشدة وبشكل غير طبيعي والغبار يملؤ الجو والرؤية شبه معدومة ، عندما شق محمود طريقه إلى داخل البيت حيث كانت أمه وأخته في انتظاره
لم يكن وجه محمود يوحي أنه يحمل أخباراً سارة ، بل أن تقاطيع وجهه وعيونه الزائغة ، ونظراته المشفقة التي ينظر بها إلى أمه توحي أن هناك مصيبة ما..
- ما الخطب يا محمود ؟! سألته والدته ودموعها مازالت عالقة بأهدابها
ارتبك محمود ونظر إلى والدته بعينين محمرتين
فصرخت فيه والدته :
- ماذا يا محمود تكلم ، هل أصاب والدك أي مكروه؟
تكلم محمود بصوت متهدج مرتبك :
- لا يا أمي اطمئني ولكن ..
- ولكن ماذا ؟
- غرق مركبهم ، لقد وجدوا جثث ثلاثة من أصحابه الذين كانوا معه.
- لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، ووالدك يا محمود ؟
- والدي وجارنا عبد الله لا أحد يعلم عنهما شيئاً يا أمي ..
ثم أجهش في البكاء
وشاركه الجميع في ذلك كبيرهم وصغيرهم ، وهم يجهلون مصير رب أسرتهم ووالدهم الغالي
فقد كان أبوهم سالم كل شيء لهذه الأسرة الصغيرة المكافحة.
كان أغلب أهل هذه الجزيرة فقراء ويعتمدون بعد الله على البحر في رزقهم ، وكم أسرة فقدت عائلها فأصبحت في فقر مدقع
فأية أسرة يعجز عائلها عن دخول البحر لسبب ما تعيش تحت خط الفقر.
وانتشرت في الآونة الأخيرة بعض المحال التجارية المملوكة لبعض التجار من الدول المجاورة وكذا الهنود والذين كانوا يجلبون بضاعتهم من العاصمة أو من دبي ، وكذلك انتشرت بعض الفروع لشركات كبرى في هذه الجزيرة فعمل فيها بعض الشباب ولكن البحر كان هو المصدر الأكبر للرزق والعمل لأغلب أهالي تلك الجزيرة النائية الواقعة في وسط الخليج العربي.
عاشت سارة وأولادها أياماً صعبة جداً وهم لا يعلمون مصير والدهم ، وانقلبت سعادة هذه الأسرة الآمنة إلى حزن وكآبة ولم يقر لهم مضجع في تلك الليالي الحزينة .
كان البحر يقع أمام منزلهم لذا فقد كانت أعينهم دائماً متعلقة في تلك المياه الهائجة لعل خلفها بصيص أمل.
ولكن تعقدت الأمور أكثر وازداد الخوف والقلق في القلوب فهاهي جثة جارهم عبدالله وقد وجدتها مراكب الخفر على الصخور ممزقة ..
أما سارة وهي في ظل هذه المصيبة كانت في انتظار ابتلاء جديد لم يكن في الحسبان ، فقد جاءت أميرة تصرخ بشدة :
- الحقي يا أمي أختي مريم غرقت في الحوض !!
كان الحوض عبارة عن حفرة إسمنتية صغيرة مستطيلة وغير عميقة رصفت جوانبها بالبلاط وكان يستخدم في لهو الأطفال في وجود والدهم وقد تسللت مريم ذات الست سنوات إليه وانزلقت قبل أن تنزل فيه ، فاصطدم رأسها بحوافه الأسمنتية ، ووقعت في الماء فاقدة للوعي
ولم ينتبهوا لها إلا وقد فارقت الحياة
وقع الألم على سارة كان شديداً ، والمصيبة كانت عظيمة
بكت حتى جفت مقلتيها من الدموع ، كان كيانها في الأصل منهاراً ، وجسدها مهزوزاً لغياب حبيب قلبها ووالد أولادها
ففقد فلذات الكبد ليس بالأمر الهين ، فكيف وقد ارتبط ذلك بغياب الأب وعدم معرفة مصيره؟
جاء الابتلاء محكماً فموت مريم وغياب الأب حوَّل حياة هذه الأسرة الصغيرة السعيدة خلال هذه الفترة إلى حزن وكآبة
ولكن وجود والديّ سارة واللذين يسكنان في نفس الجزيرة و وقوفهما بجانب ابنتهما خفف مصابها الشديد ، وألمها القاسي.
وتساءلت سارة في نفسها المتألمة: هل من الممكن في ظل هذه الآلام أن يكون هناك فرج سعيد في الأفق يخفف بعضاً من هذه الأحزان ؟
كان الفضاء ساكناً تتموج فيه الريح ناعمة رخاءً
عندما قدم محمود و أساريره منفرجة وهو يلهث راكضاً إلى داخل المنزل حيث أمه وجده وجدته ثم صاح :
- أمي ، أمي ، لقد وجدوا أبي أنه حي إنه حي !
انتفض قلب سارة ، وارتعش جسدها وهي تحاول أن تقف على رجليها غير مصدقة لما تسمع ثم ما لبثت أن وقعت مغشياً عليها.
. . .
في عرض البحر ، بعيداً عن الأهل والولد والوطن ، نائياً عن العشير والسكن ، هاجت الأمواج وماجت بكل قوة وعنفوان ، ولم تدع لنا مركباً أو حتى حطاماً ، مزقت شمل الأصحاب ، فلم يعلم كل منا أين الآخر ، تمسكت بجركن الماء التي وقعت تحت يدي وكأنني أتمسك بقطعة من جسدي
وحين ضاقت علي الأرض بما رحبت وضاقت علي نفسي حيث لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه ، شكوت إليه ضعف قوتي وقلة حيلتي ، فما أفقت إلا وأنا على ظهر سفينة تجارية أخذتني إلى دولة مجاورة ، فالحمد لله على نعمته وفضله وإحسانه.
هذه كانت حكاية سالم العائد من رحلة الموت ليجد أسرة مكسورة الجناح ناقصة العدد ، وما عساه أن يفعل غير البكاء بعينين أتعبتهما الشمس والبحر والشقاء والألم والفراق
كعادة أهل البحر فطرتهم سليمة و قلوبهم كبيرة وصدورهم وسيعة ونفوسهم صافية وعيونهم عميقة ، وعقولهم غزيرة ، وأيديهم خشنة ، وقد لا تجد الدمعة على الرموش والأهداب عند أمثال هؤلاء الرجال ولكنها تدمع هناك في دواخل القلب وقنوات النفس ، ومجاري العقل ، فتحيل الكيان إلى هيكل صلب من الخارج منهار من الداخل ، إنها فلذة الكبد وقطفة من الروح وقطعة من الجسد...
كان حزن سالم على فقيدته عميقاً ونزلت دمعات حارة على وجنتيه وأخرى كانت تجري داخل نفسه وقلبه ، ولكنه سرعان ما مسحها وتظاهر برباطة الجأش أمام صغاره .
لم يتأخر مولود سارة كثيراً فقد جاء سريعاً ليسد النقص الذي أحدثته مريم بموتها
- نسميها مريم ، ما رأيك يا سالم ؟
- نعم نسميها مريم يا سارة ، فمازالت صورتها ماثلة أمام أعيننا ، ولعلها تعوضنا فراقها.
شهقت سارة ثم غطت وجهها وأخذت تبكي بشدة عندما لاحظت تلك الدمعة الظاهرة في عيني زوجها.
كانت الشهور التالية شديدة على الأسرة مادياً فقد كان على سالم أن يجد مركباً جديداً للبدء من جديد أو أن ينضم إلى مجموعة أخرى .
المركب يحتاج إلى المال الكثير وهذا ما لا يملكه سالم ، لذا فمن الأفضل أن ينضم إلى مجموعة من الصيادين الآخرين وإن كان المردود سيكون قليلاً ، ولكن لا حل آخر يسكت تلك الأفواه الجائعة أو تقضي لها حوائجها.
وتمضي الحياة بحلوها ومرها على هذه الأسرة وتأبى الأقدار إلا أن تترك أثراً مؤلماً جديداً
وتكلأ من جديد في جراح هذه الأسرة المكلومة ..
فقد مرضت مريم الصغيرة والتي بلغت السنتين قبل عدة أيام مرضاً شديداً احتار فيها الأطباء ولم يمهلها القدر طويلاً لتعاني وسلمت الروح إلى بارئها لتترك أثراً وجرحاً يصعب محوه بسهولة ، ولتعمق من جراح الأم الصابرة سارة والتي ضربت أروع مثال على التحلي بالصبر وحمد الله وشكره على ما أنعم وعلى ما أخذ ..
كان فقد مريم الثانية مؤلماً جداً للأبوين وخاصة سارة الأم الرؤوم التي فقدت خلال فترة وجيزة طفلتين في عمر الزهور ، وأي قلب أم يتحمل ذلك ؟!
تألمت سارة كثيراً ، ولكنها كانت تلك المؤمنة الصابرة ، بكى قلبها قبل عيونها ولكنها مع ذلك كانت حامدة وشاكرة,
ولم يكن زوجها سالم بأقل منها ألماً ، ولكنه كان يتماسك ويبدي صلابة أمامها ليقوي من عزمها، ويشد من أزرها، وهي كزوجة تعرف زوجها جيداً تدرك تماماً أن سالم يتعذب في داخله كثيراً رغم تماسكه فمريم الصغيرة كانت دلوعة البيت وحبيبة الكل ، وخاصة أنها بدأت خلال أيامها الأخيرة في تقليد الآخرين في الكلام فكانت تخرج الأحرف والكلمات بشكل جميل وبريء يضحك لها الجميع ويستمتع.
جزع لموت مريم أخوتها وأخواتها الكبار وأصبح الجميع لا يطيق الجلوس في البيت فمازالوا يتذكرون ، المريمين ففي كل ركن من أركان البيت كان لهما قصة وموقف وحكاية
كانوا ما يزلون يسمعون ضحكاتهما وصرخاتهما ومشاغبتهما ، لقد أصبح البيت بموت عضوين مهمين فيه كئيباً لا يمكن العيش فيه.
لذا قرر سالم أن يرحل بعائلته الصغيرة إلى مدينة مرفأ وهي مدينة صغيرة نائية هي أقرب أن تكون إلى قرية كبيرة تبعد عن العاصمة كثيراً ، فهي أقل تكلفة وأقرب إلى جزيرتهم من العاصمة ولهم فيها بعض الأقرباء.
رحلت العائلة المكلومة عن بيتهم ومسقط رأسهم تلك الجزيرة التي أحبتهم وأحبوها ولكنهم ما عادوا يطيقون العيش فيها ففيها ذكريات مؤلمة جدا ، رحلوا ليسكنوا في منزل مستأجر متواضع جداً في المدينة ، مع بعض الزيارات من حين لآخر لمنزل جدهم .في الجزيرة
أما سالم فقد ظلت علاقته بالجزيرة ممتدة فقد كان لابد أن يغيب لفترات طويلة عن أسرته ويلتحق برفاق الجزيرة ليدخل معهم البحر ، ثم يعود بعد فترة طويلة إلى عائلته بما أنعم عليه الله من رزق ليسد حاجات أسرته .
لذا فقد كانت مهمة الأم سارة عظيمة جداً في أنت تكون هي الأم والأب في آن واحد لأولادها ، برغم إنها كانت حاملاً وتعاني من آلام في ظهرها ورجليها إلا إنها لم تكن لتترك أولادها يحتاجون لأي شيء ، أو تشعرهم بتعبها وضيقها.
وهذا ما أدركه سالم جيداً حين قال لها :
- سارة يا زوجتي الحبيبة، كم أشعر بخجل وأنا أتركك تعانين لوحدك قيادة هذه العائلة ،وتربيتهم والسهر عليهم في حين أن الواجب يتحتم أن أكون معكم وخاصة أن محمود وأميرة في مرحلة عمرية حرجة ، لا أعرف ماذا أقول لك بصراحة.
- بل أنا التي يجب أن يخجل يا سالم فأنت نعم الرجل ولم تقصر في حقنا أبداً، يكفيك البعد والفراق والوحدة والشقاء في هذا البحر ، انظر إلى نفسك ، من يقول إنك في سن الأربعين ؟
لقد غزاك الشيب ، وهاجمتك التجاعيد حتى أن الناظر إليك يظنك في الستين من العمر.
- والله يا حبيبتي إنه يكفيني من هذه الدنيا أن أراكم سعداء، فنظرة سعادة من أطفالي تنسيني تلك الهموم والشقاء كلها ،ويكفي أن لدي خير ما يكنز المرء ؛ المرأة الصالحة ، إذا نظرت إليها سرتني ، وإذا غبت عنها حفظتني ، وإذا أمرتها أطاعتني
- وهل تعتبرني من الصالحات يا حبيبي ؟
- إن لم تكوني أنت منهن فمن إذا ؟
- والله إن كلامك هذا يصبرني ويسعدني ويقويني ، وعن نفسي لا أملك لك إلا الدعاء أن يحفظك ربي من كل سوء ، فأنت حياة هذه الأسرة وعمادها ، وشمعتها التي تحرق نفسها من أجل أن نعيش في كرامة وعزة وصلاح و ....
لم تستطع سارة إكمال جملتها الأخيرة فقد غالبتها رغبة عارمة في البكاء .
وتمضي سفينة الأسرة في تقلبات أمواج الحياة وهاهو المولود الجديد أيضاً أنثى ، ويصر الوالدان على أنت تكون مريم الثالثة.
في تحدٍ جديد مع المعتقدات التي تقول أن في الاسم شؤم ، ولكن يأبى من تربى على العقيدة الصافية أن يؤمن بتلك المعتقدات ، وكذلك لتظل مريم هي رمز سعادة وأفراح هذه الأسرة ، برغم الجراحات المتتالية.
مضت السنون ...
أنهى الابن الأكبر محمود والابنة الكبرى أميرة المرحلة الدراسية ولعدم وجود جامعة قريبة فضلا عن خشية التغرب بعيداً ، لذا فقد تزوجت أميرة التي كانت تحمل ملامح جمال أمها سريعاً من شاب من تلك المدينة
وعمل محمود في سلك الشرطة ثم بعدها تزوج من فتاة صالحة من أسرة طيبة واستقل في بيته.
كانت هذه الأفراح المتتالية قد أنست الأسرة معاناتها في السنوات الماضية، وأدخلت السرور من جديد إلى نفوسهم .
ولكن أحسب الصالحون أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ؟!!
مصداقاً للآية الكريمة : "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون"
لقد كان التالي أعظم وأشد على سارة تلك الأم المؤمنة الصابرة
فقد كانت سارة على موعد مع مصيبة عظيمة وهي في المستشفى لتضع المولود الأخير في حياتها والحادي عشر من أولادها.
وها هي الأخبار تصل إليها وهي على فراش الولادة أن ولدها أحمد والبالغ عمره 14 ربيعاً قد ودع الدنيا فقد احترق وهو يريد إطفاء النار التي شبت فجأة في المطبخ الخشبي ، فهو كان أكبر المتواجدين في المنزل ، بعد أخيه بدر المعاق عقلياً ، وأراد أن يطفئ النار قبل أن تقضي على بقية المنزل إلا إنه اختنق في مكانه ولم ترحمه النيران بعدها في غياب الأب سالم في السوق لقضاء بعض الحاجيات..
سارة أيتها المكلومة ، هل كتب عليك أن يكون يوم سعادتك هو نفس يوم تعاستك ؟
سارة أيتها المؤمنة التقية الصابرة أن فقد ولد واحد يذيب القلب من كمد ، فكيف وهذا ثالثهم شاب قد بلغ قبل أيام وظهرت الشعرات الرقيقة على شاربه وكنت تأملين أن يكمل تعليمه الجامعي بعد سنوات ثلاث،ليحقق تطلعاتك العليا في الحياة.
سارة أيتها الأم المكافحة هذا قدرك شئت أم أبيت، فأنت لم تهملي يوماً ما ولم تقصري في حقهم، ولكنه القدر يأبى إلا أن يحوم حواليك ليجرب مدى صبرك وإيمانك ، فهل ستصبرين أم ستجزعين؟
هل ستقولين لم أنا فقط يارب ؟ أليس هناك أحد غيري في هذه الدنيا ؟
أم ستقولين الحمد لله رب العالمين لله ما أعطى ولله ما أخذ وكل شيء عنده بقدر ..
نعم إنها سارة، لم تزد عن قول الحمد لله ثم أغشي عليها وحق لها أن تغيب عن الوعي فالأمر جلل ، والمصيبة كبيرة والجرح عميق ...
من نظر إلى سارة بعد هذه الحادثة لم يكن يعتقد أنه أمام امرأة عمرها 41 سنة !
مازالت ملامح الجمال والحسن عليها ولكن عمق الجروح وتوالي الأحزان ، وتكالب الهموم ، أحالتها إلى الشيخوخة المبكرة.
ولم يكن سالم بأقل من سارة عذاباً وبكاءً ، ولكنه في النهاية رجل جلد ، صحيح أنه يذهب بعيداً ليبكي و يمثل الجلد والصبر أمام العائلة ذلك لكي لا ينهار الجميع بانهياره .
عادت سارة بعد مصيبتها الأخيرة وهي تنظر إلى أولادها وتتفحص فيهم بين حين وآخر ، فقد كان يحدثها نفسها بمن التالي ؟
لقد أصبح الموت زائراً معتاداً لبيتهم وأصبح الجميع يدركون أن أسرتهم مبتلية ، وأشدهم ابتلاءً على الإطلاق والدتهم الحبيبة ، فقد عانت من زواجها الأول ما لم تعانه امرأة .
ثم فقدت ابنتين في عمر الزهور في فترة وجيزة ، وبعدها فقدت شاباً يافعاً مقبلاً على الحياة
وفوق هذا ابتليت بذاك الولد المعاق الذي يحتاج إلى عناية مستمرة ودائمة
وكذا تحملها وصبرها على قيادة أسرة كبيرة يغيب عنها عائلها بالأسابيع في الجزيرة أوفي عرض البحر . .
لقد كانت فرحة الأسرة عارمة حينما جاءتهم أخبار حصولهم على مسكن شعبي في مدينة مرفأ مما يعني أن معاناتهم في هذا الجانب ستنتهي وسيوفر عليهم مبالغ هم أحوج لها في ظل ظروفهم المعيشية الصعبة .
شاركت سارة أسرتها الفرحة ولكن في داخلها كانت جراحات بحجم المآسي التي مرت بها وكأنها ثقوب تثقب قلبها وكبدها ..
لقد أضعفها موت أحمد كثيراً ، وخارت قواها وضعف نظرها وأبيض شعرها فلم تعد تلك المرأة الصلبة القوية.
هي مؤمنة بلا شك ولكن تلك مشاعر وأحاسيس لا يمكنها أن تقاومها ، ولا يمكن أن تنسى أحمد وهو يضع قبلاته على رأسها ووجنتيها كلما رجع من المدرسة .
ولا يمكن أن تنساه وهو يقول لها :
- إذا حصلنا على مسكن شعبي جديد فلن أنام مع أحد أريد أن تكون لي غرفتي الخاصة .
"ها هو المسكن قد أصبح حقيقة وهاهي غرفتك يا أحمد ولكن أين أنت يا حبيبي ؟
كم أشتاق إليك يا أحمد وأسأل الله أن أن يكون قبري بجانب قبرك ، أؤنسك وتؤنسني" ( قالتها بصوت مسموع )
- بعد عمر طويل يا حبيبتي ؟
تفاجأت سارة أن زوجها سالم كان خلفها وسمع جملتها الأخيرة وحديث نفسها
فوضعت رأسها على صدره وأخذت تبكي بشدة !
تمر الأيام والشهور بهذا المركب الحزين وهذه الأسرة الصغيرة التي تناست قليلاً أوجاع الماضي وانشغلت بالمنزل الجميل الجديد الوسيع ولكنهم لم يكونوا يعلمون أن هناك ألماً عظيماً وقاسياً سيحل بهم
وأنهم على موعد مع قدر آخر أشد وجعاً وعذاباً
قدر سيهز كيانهم ويحيلهم ثانية إلى الحزن والمرارة !
في صباح ذلك اليوم خرج سالم إلى سوق السمك كعادته وعادة رجال مثل هذه المدن والقرى
فإما للشراء أو لقاء الأصدقاء والأصحاب أو التسلية في مراقبة عمليات البيع والشراء والمساومة
أما سارة فقد صلّت سنة وفرض الفجر ثم دخلت إلى المطبخ لتعد الفطور لأطفالها ..
وكان القدر الأخير في حياتها الدنيوية في انتظارها ، لتكون البطولة لها هذه المرة
ففي غمرة انشغالها في الطهي اشتعلت النار بخمارها ، ثم تبعتها سريعاً إلى ثيابها ، فأخذت تصرخ وتصيح طالبة النجدة
ولكن هيهات فالمطبخ يقع في ملحق مستقل ، وصراخها لن يصل إلى أولادها النائمين .
امتدت النيران إل كل جزء في المطبخ وخرجت ألسنة اللهب من النوافذ وتطايرت الأدخنة وتجمع الجيران والمارون وحاولوا دخول المنزل
وعلى أصوات سيارات الإطفاء وضجة الناس ، استفاق أهل البيت وصدموا لرؤية أمهم يحملها رجال الإسعاف وهي في حالة مستعصية
كانت صدمة كبيرة جداً في هذا الصباح ، أطارت بأفئدة أفراد هذه العائلة الصغيرة .
فالأمر جلل وعظيم
إنها أمهم العظيمة الحبيبة
إنها العمود الفقري لهذا المنزل وأساسه المتين
إنها كل الكيان وجل الأحلام
إنها الرؤية والرسالة والقيم والمباديء والأخلاق
إنها الصدر الحنون والقلب العطوف
إنها الأمن والأمان والطمأنينة
إنها الفرح والسعادة والأمل
إنها باختصار الدنيا الجميلة
فلا جمال من دونها
ولا سعادة إلا في ظلها
اللهم خذ كل شيء جميل في حياتنا وابق لنا أمنا
هكذا دعوا وهم يصيحون
هل رحلت أمنا إلى الأبد ؟
هكذا تساءلوا وهم يحيطون بأبيهم المكلوم ، الذي انهار هو الآخر
فها هو أخيراً يبكي بكاءً مراً لم يألفوه
حسبوه لا يبكي أبداً
ظنوه لا يملك الدموع مثلهم
ولكن ها هي دموعه الغالية تتقاطر من عينيه
وها هو يريد أن يتماسك ولكن هيهات
فهذه رفيقة الدرب
وأم العيال
وقرة العين وحبيبة القلب والفؤاد
سارة تلك الأم الرؤوم
سارة تلك المرأة الصابرة
سارة أم الابتلاء ما خرجت - في أربعين سنة هي كل عمرها - من ابتلاء إلا ودخلت في أخرى
هاهي - وكما تمنت - دفنت بعد أسبوعين من احتراقها بجانب صغيرها .
أحمد
انتهت
رحم الله سارة أم محمود التي رحلت عن دنيانا قبل رمضان عام 1430هـ
الموافق أغسطس 2009م في مدينة مرفأ في المنطقة الغربية بأبوظبي
وتركت خلفها عائلة من زوج و8 أولاد - بنين وبنات -
تركتهم يحنّون إلى كل قطعة كانت تستخدمها
يحنّون إلى كل بقعة كانت تتواجد فيها
وصدق المتنبي حين قال :
أَحِـنُّ إِلَى الكَـأْسِ التِي شَـرِبَتْ بِهَـا
وأَهْـوَى لِمَثْـوَاهَا التُّـرَابَ وَمَا ضَـمَّا
وتقبلوا فائق تحياتي وتقديري
أخوكم / كرم مبارك
24/1/2010